❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لم تكن انتخابات الكنيست الـ26 انتخابات عادية. كانت استفتاءً على حربين، وعلى التجنيد، وعلى شرعية حكومة 7 أكتوبر. والنتيجة التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية فجر 30 تشرين الأول بعد فرز 100% من الصناديق العادية و480 ألف ظرف مزدوج، قالت كل شيء: لا أحد يستطيع أن يحكم.
أولاً: ماذا أفرزت الصناديق؟
- معسكر نتنياهو: 53 مقعداً (الليكود 26، شاس 7، يهدوت هتوراه 7، عوتسما يهوديت 7، الصهيونية الدينية 6). خسارة 15 مقعداً عن ائتلافه السابق البالغ 68.
- معسكر التغيير: 48 مقعداً (ياشار بقيادة غادي آيزنكوت 21، معاً بقيادة بينيت ولابيد 12، الديمقراطيون 8، إسرائيل بيتنا 7).
- المركب العربي: 19 مقعداً (المشتركة 11، الموحدة 8). أعلى تمثيل عربي منذ 1948، مقابل 10 مقاعد فقط في 2022.
نسبة المشاركة العامة 77.7%، والعربية 80%، وهي أرقام قياسية تكشف حجم التعبئة.
الانقلاب بين استطلاعات الخروج (التي منحت آيزنكوت 53) والنتيجة النهائية (53 لنتنياهو) يفسره عاملان: تأخر فرز المثلث والنقب، وسقوط حزبين تحت نسبة الحسم (الاحتياط 2.7% وشعب إسرائيل 1.6%).
ثانياً: لماذا يستحيل تشكيل حكومة؟
المعادلة بسيطة ومستحيلة: أي حكومة تحتاج 61 صوتاً.
- نتنياهو يحتاج 8 أصوات إضافية ولا يوجد في السوق 8 أصوات مستعدة للبيع.
- آيزنكوت يحتاج 13 صوتاً، وحتى لو جمع معسكره كاملاً (48)، يحتاج 13 من العرب. لكن ليبرمان وغولان يرفضان أي اعتماد على المشتركة.
نحن أمام مأزق بنيوي، وليس أزمة شخصيات. المجتمع الإسرائيلي منقسم إلى ثلاث كتل متساوية تقريباً: يمين متدين، وسط علماني، وأقلية عربية أصبحت بيضة القبان.
ثالثاً: سيناريوهات التشكيل الخمسة
1. حكومة الوحدة الكبرى (السيناريو الأميركي المفضل)
ليكود ياشار معاً = 59 مقعداً، مع إضافة الحريديم تصبح 73. واشنطن تضغط بهذا الاتجاه لضمان الاستقرار. العقبة: من يكون رئيساً أولاً؟ نتنياهو يريد سنتين أولى لتأمين محاكمته، وآيزنكوت يريد إقالة نتنياهو فوراً. قاعدة آيزنكوت انتخبته لإسقاط نتنياهو، لا للجلوس معه.
2. حكومة أقلية بزعامة آيزنكوت بدعم عربي خارجي
48 مقعداً تحكم بدعم 19 صوتاً عربياً من خارج الحكومة على طريقة حكومة بينيت-لاپيد 2021. لكن تلك التجربة انهارت بعد سنة واحدة فقط، وهذه المرة الرفض أوسع. ليبرمان قال: "لن أكون شريكاً في حكومة تعتمد على داعمي الإرهاب". بدون ليبرمان، تنخفض الحكومة إلى 41.
3. حكومة انشقاقات: رهان نتنياهو الأخير
شراء 8 نواب من معسكر الخصم. الهدف المعلن: نفتالي بينيت. العرض: وزارة الدفاع. العقبة: بينيت وقع وثيقة تعهد بدفع 10 ملايين شيكل إذا انشق، وكتلة ياشار كلها جنرالات سابقين يعتبرون قضية تهرب الحريديم من الجيش قضية وجودية.
4. حكومة 53 مقعداً والاعتماد على امتناع العرب
نظرياً، يمكن لنتنياهو أن يمرر حكومة بـ53 إذا امتنع العرب عن التصويت ضدها. دستورياً، هذا مستحيل. تشكيل الحكومة يحتاج 61 صوتاً مؤيداً، وليس امتناعاً.
5. الفشل والذهاب لانتخابات سادسة
المسار الدستوري: الرئيس يكلف نتنياهو 28 يوماً، ثم آيزنكوت 28 يوماً، ثم أي نائب 21 يوماً. بعد 90 يوماً من الفشل، تحل الكنيست تلقائياً. نتنياهو يبقى رئيس حكومة تصريف أعمال حتى ربيع 2027.
هذا هو السيناريو الأرجح اليوم.
رابعاً: ماذا يستطيع نتنياهو أن يفعل كرئيس حكومة تصريف أعمال؟
هنا يكمن الخطر والوهم معاً.
قانونياً:
- يستطيع شن ضربات جوية، تنفيذ اغتيالات، القيام بعمليات محدودة في غزة ولبنان وسوريا.
- لا يستطيع إعلان حرب رسمية، أو شن اجتياح بري واسع، أو توقيع اتفاق سلام تاريخي، أو إقرار ميزانية جديدة، أو تعيينات كبرى، دون موافقة الكابينت الأمني والمستشارة القضائية.
- المحكمة العليا تملك حق إلغاء أي قرار تراه "غير معقول بشكل متطرف" لحكومة تصريف أعمال.
سياسياً:
- لا يملك شرعية لحرب جديدة. خسر 15 مقعداً، و67 نائباً ضده.
- الجيش ضده معنوياً. 480 ألف ظرف مزدوج معظمها أصوات جنود احتياط منهكين من حربين، صوتوا ضده بسبب قانون إعفاء الحريديم.
- الاقتصاد لا يتحمل. الاحتياط استدعي 300 يوم خلال سنتين.
- أميركا لن تغطي مغامرة. ترامب دعمه انتخابياً، لكن البنتاغون يريد تهدئة لتفرغه لإيران والصين.
ما يستطيعه نتنياهو فعلياً هو إدارة الصراع، لا حسمه: قصف يومي في غزة، غارات في لبنان، رسائل ردع لإيران، لكن دون حرب وجودية جديدة. أي محاولة لحرب كبيرة للهروب من أزمة التشكيل ستُقرأ داخلياً كـ "حرب للبقاء في الكرسي"، وستكون نهايته.
خامساً: ما بعد النتائج - الداخل والخارج
الداخل الإسرائيلي: دخل عهد ما بعد الأغلبية اليهودية. الـ19 مقعداً العربي هو فيتو دائم. لا يمين ولا وسط يستطيع الحكم دون المرور عبر الناصرة، حتى لو لم يجلس معها. هذا تحول تاريخي.
الخارج القريب: تجميد. غزة بلا حسم، لبنان بلا تسوية، الضفة بلا ضم ولا انسحاب. حكومة ضعيفة لا تستطيع اتخاذ قرارات كبيرة.
الخارج البعيد: واشنطن ستدير إسرائيل بالإدارة عن بعد، عبر المساعدات العسكرية، لمنع انهيار كامل. طهران ستستغل الفراغ لإعادة بناء وكلائها، لكنها تعلم أن أي حكومة إسرائيلية، حتى تصريف أعمال، ستتوحد إذا اقترب النووي الإيراني من القنبلة.
الخلاصة
انتخابات 2026 لم تنتج فائزاً، بل أنتجت حقيقة: إسرائيل لم تعد قادرة على إنتاج حكومة 61 من داخل المجتمع اليهودي وحده. الـ19 مقعداً ليست تفصيلاً، بل هي النظام الجديد.
المرحلة المقبلة ليست مرحلة حكومة، بل مرحلة إدارة أزمة شرعية طويلة. والسؤال لم يعد من سيشكل الحكومة، بل هل لا يزال النظام البرلماني الإسرائيلي نفسه قادراً على إنتاج حكومة؟